القاضي التنوخي

89

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

38 جواب مفحم وأخبرني غير واحد من أهل الحضرة : إنّ هاشميا وقف لأبي عمر ، في طريقه إلى الجامع ، وكان سأله شيئا فلم يجبه إليه ، فقال له : يا بارقيّ « 1 » ، يعرّض به ، وما كان عليه من مبايعة ابن المعتز « 2 » ، ليكتب أصحاب الأخبار « 3 » بذلك ، فيجدّد له سوءا عند الخليفة . فوقف أبو عمر ، وقال للرجل : يا هذا إنّ أمير المؤمنين أعزّه اللَّه قد عفا عن هذا الذنب ، فإن رأيت أن تعفو ، فعلت . قال : فخجل الهاشميّ ، وعجب الناس من ثبات أبي عمر ، وحسن جوابه ، وسرعة فطنته ، وتلطَّفه « 4 » .

--> « 1 » كذا في الأصل ، ولم أفهم معناها . « 2 » راجع حاشية القصة 1 / 7 من النشوار . « 3 » صاحب الخبر : الشخص المنوط به أن يرفع لمرجعه تقريرا مستعجلا بجميع ما يقع أمامه . « 4 » انفردت بها ط . ومن الأدلة على فطنة القاضي أبي عمر ، وتلطفه في الجواب ، ما ورد في ثمرات الأوراق للحموي ( ص 4 ) ، نقله عن درة الغواص ، قال : إن حامد بن العباس ، سأل علي بن عيسى ، في ديوان الوزارة ، ما دواء الخمار ؟ وكان قد علق به ، فاعرض عن كلامه ، وقال : ما أنا وهذه المسألة ، فخجل حامد منه ، والتفت إلى قاضي القضاة أبي عمر ، فسأله عن ذلك ، فتنحنح لإصلاح صوته ، ثم قال : قال اللَّه تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه ُ وَما نَهاكُمْ عَنْه ُ فَانْتَهُوا . وقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : استعينوا على كل صنعة بصالح أهلها ، والأعشى ، وهو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية ، قال : وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها ثم تلاه أبو نواس ، في الإسلام ، فقال : دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء فأسفر حينئذ وجه حامد ، وقال لعلي بن عيسى : ما ضرك ، يا بارد ، أن تجيب ببعض ما أجاب به مولانا قاضي القضاة ، وقد استظهر في جواب المسألة ، بقول اللَّه تعالى أولا ، ثم بقول النبي صلى اللَّه عليه وسلم ثانيا ، وأدى المعنى ، وخرج من العهدة . فكان خجل علي بن عيسى أكثر من خجل حامد ، لما ابتدأه بالمسألة .